ليلة في حضن الجبل بقلم زهرة الثالوث ج 3

تنحنح جبل بصوت تقيل، وحط معلقته بهدوء، وبص لصفية وقال بنبرة جافة وعادية خالص، كأنه بيسأل عن حاجة مش مهمة بالمرة عشان ما يكسرش هيبته قدام الكل: “هو وين باقي الحريم يا صفية؟ الدار ناقصة، ولا حد عيان فوق وما داريينش بيه؟”
صفية ابتسمت بفهم وقالت: “ليلة فوق يا سي جبل، قالت ماليش نفس للعشا ومش نازلة.”
جبل هز راسه بلامبالاة تصنعها براعة، وأخد لقمة وقال ببرود: “براحتها.. اللي ما ياكلش بيده، ما يشبعش.” بس جوا غيظه وشغفه كان بيغلي، ونفسه يعرف هي بتفكر في إيه ومختفية ليه.
في الوقت ده فوق في الأوضة، كانت ليلة بتنفذ خطتها الجديدة بعد ما كلام صفية صحى فيها الدكاء والكيد. أخدت شاور دافي يريح جسمها، وطلعت ريحتها مسك وعنبر يدوخوا البلد. اختارت أكتر قميص نوم مغري ومجسم عندها؛ قميص من الحرير الأسود الدانتيل، مفصل على جسمها بأسلوب يبرز كل أنوثتها، وفتحت شعرها الأسود الطويل ينسد على ضهرها وكتفها بحرية، وحطت كحل صعيدي ثقيل أبرز سحر عينيها. كانت جاهزة تماماً إنها تجننه وتخليه هو اللي يركع ويصالحها.
خلص جبل العشا، واستأذن وطلع الأوضة بخطوات ثقيلة، بيحاول يهدي ضربات قلبه اللي بدأت تزيد.
أول ما فتح الباب ودخل، الريحة الفواحة خبطت في وشه، وعينيه وقعت على ليلة اللي كانت واقفة قدام التسريحة بتعدل عقد صغير حولين رقبتها.
جبل اتهز من طوله! عينيه وسعت لمسافة ثانية، ورجليها اتسمرت مكانها في صدمة شتتت كل ثباته. منظرها بالحرير الأسود وشعرها الغجري كان فوق طاقة تحمله، وجسمه كله اتشد من جمالها الصارخ.
بس لأن اسمه “جبل”، بلع ريقه بصعوبة وسحب نفس عميق، وحاول بأقصى قوة عنده يحافظ على ثباته ووقاره. بلع الشغف اللي جواه، وقفل الباب بهدوء، ومشى بخطوات واثقة ناحية دولابه وهو بيحاول ما يبصش عليها مباشرة، وقال بصوت متماسك بالعافية ونبرة تقيلة:
”مساء الخير يا بت الشيخ مهران.. شايفك رايقة الليلة، ومجهزة حالك على الآخر.. يا ترى الدلع ده كله لمين؟”
ليلة لفت ضهرها ببطء شديد، وابتسمت ابتسامة ساحرة ودفيانة، وبصت له بنظرة كلها كيد وتحدي.. مستنية تشوف الجبل وهو بيتدك قدام سحرها.
لفت ليلة ضهرها ببطء شديد، ورمت شعرها الأسود على جنب بحركة كلها دلال ورقة، وابتسمت ابتسامة هادية فيها كل أنواع الكيد والتحدي، وقالت بصوت ناعم زي الحرير: “وهـ.. ولمين يعني يا جبل بيه؟ أنا بحب أتدلع وألبس زين لنفسي.. الحرمة الزينة بتتزين لروحها ولجمالها، مش مستنية حد يعجب بيها.”
جبل حس بقلبه بيدق بقوة، وجمالها كان هيطير عقله، بس كبرياؤه ورجولته وقفوا له بالمرصاد. هز رأسه بابتسامة باردة ومجهزة، ومشى على نفس أسلوبها في البرود واللامبالاة عشان يكسر فكرتها إنها قدرت تدوخه.
أخد الريموت وقعد على الكنبة العالية، وشغّل التليفزيون على قناة أخبار. قعد يسند ضهره، حاطط رجل على رجل، وعينيه مركزة في الشاشة كأنه بيتابع نشرة الأخبار بقمة الاهتمام، وهو في الحقيقة مش فاهم ولا كلمة من اللي بتقولها المذيعة؛ كل حواسه كانت مشدودة لليلة، ولرائحة عطرها اللي ملاية الأوضة، وحركاتها الناعمة جنب المراية.
عدت نص ساعة والجو في الأوضة مشحون بسكوت تقيل. قام جبل بهدوء، طفى التليفزيون، وراح ناحية السرير الكبيرة. قلع جلبابه وقعد تحت الغطا، وإداها الناحية الثانية.
ليلة، بعد ما حسّت إن خطتها فشلت وإن بروده غلبها، طفت النور وسابت إضاءة الدفاية الدافية بس، وراحت نامت على الناحية الثانية من السرير.
كان بيناتهم شبر واحد بس.. كل واحد فيهم ضهره للتاني، وقلبه بيدق بصوت عالي من كتر القرب والشغف. جبل كان نفسه يلف ويمسكها في حضنه ويدفن وشه في شعرها، وليلة كانت تتمنى لو يلف إيده حولين وسطها ويصالحها، بس جدار الكبرياء والكرامة بيناتهم كان أثقل من جبل حديد.
وفجأة.. ليلة فكرت في حيلة جديدة وجريئة، حيلة تخلي الجبل يفرك ثباته من غير ما تخسر هي كبرياءها.
تحركت بتمثيل، وحطت إيدها على ضهرها كأنها متضايقة، وقالت بصوت ناعم ومبحوح كأنها بتتوجع: “وهـ يا جبل.. الظاهر في ناموسة قرصتني في ضهري بالليل ده.. الوجع واعر ومش عارفة أنام، طب بص على ضهري كدة شوف في إيه؟”
جبل اتنهد بصوت تقيل، وبيحاول يبين إنه زهقان، لف ضهره وقعد على حيله. ليلة اتعدلت ورمت شعرها كله على جنب واحد، ووطت القميص الحرير الأسود عن ضهرها بالراحة.
جبل قرب عشان يبص، بس أول ما إضاءة الدفاية خبطت في ضهرها، عينيه وسعت وانبهار أخد عقله!
على طول ضهرها الأبيض زي القشطة، كانت مرسومة رسمة حنة سودا بالغة الرقة والجمال، نازلة بسحر من أول رقبتها لحد آخر ضهرها. جبل بلع ريقه بصعوبة، وإيده المرتجفة اترددت، وبدأ يمرر صوابعه الكبيرة ببطء شديد يمسح على الرسمة وعلى الجلد الناعم، بيتفحص ضهرها بحجة إنه بيشوف القرصة، ونفسه الساخن كان بيخبط في ضهرها ويخلي جسمها كله يقشعر.
ليلة ابتسمت في الضلمة ابتسامة انتصار عريضة، وقالت في سرها: (نجحت يا ليلة.. الجبل داب خلاص).
بس جبل، اللي لمح ابتسامتها في انعكاس المراية اللي قدامه، عرف إنها ملعوبة منه. سحب إيده بسرعة ورجع لبروده وقسوته المصنوعة، وقعد لورا وقال بنبرة جافة وهو بيحاول يمسك نفسه بالعافية: “مفيش حاجة يا بت مهران.. ضهرك زين ومفهوش ولا قرصة. نامي يلا.. أنا عايز أنام وركبي شغل من الفجرية.”
لفت ليلة ضهرها بسرعة، وعينيها وسعت بصدمة من رده الجاف اللي طير فرحتها في ثانية، بس أبت تسيب الشوط يخلص لصالحه.
قربت منه أكتر، وميلت على كتفه، وقالت بدلع ساحر ونبرة ترعش القلب وهي بتبص في عينيه مباشرة: “طب مادام مفيش حاجة وعايز تنام.. ادعك لي ضهري بالراحة عشان أقدر أنام، أصل المكان بيحرقني يا سي جبل!”
