كيان الفهد بقلم زهرة الثالوث ج2

رواية كيان الفهد بقلمييييييييي زهرة الثالوث
الكلمات نزلوا على كيان زي الخنجر في قلبها، الوجع والخوف المكبوت جواها طول الليل انفجروا في لحظة واحدة. طارت كل مشاعر الخوف والتردد، والانهيار أخد مكانه.
​قربت منه بدموع نازلة زي المطر وصوته العالي المليان صراخ شق هدوء الممر: “انت إيه؟ معندكش قلب؟ حرام عليك اللي بتعمله فينا ده! عايز ترمينا في الشارع؟ بتهددني ببيتنا وبأهلي؟”
​وبدأت تضربه بإيديها الصغيرتين على صدره وكتفه بكل قوتها، بتزقه بعنف وهي بتبكي بصوت يوجع القلب: “ابعد عني! انت راجل قاسي وظالم… ارحمنا بقى!”
​فهد ما تحركش من مكانه، فضلت عضلاته مشدودة ومسك إيديها الاثنين ببرود تام وثبات مرعب، يمنع ضرباتها من غير ما يوجعها. كان باصص في عينيها الحمرا والمغروقة بالدموع بجمود تام، ونبرة صوته نازلة ببرود ينرفز: “اهدي… الصراخ ده مش هيغير حاجة من الواقع. القواعد هي القواعد، وده قرارك انتِ.”
​زقته كيان لآخر مرة بكل ما فيها من قوة، ورجعت لورا وهي بتشهق بالبكاء ومش قادرة تاخد نفسها.
​فهد ساب إيدها، وعدّل ياقة قميصه ببرود وهو باصلها بنظرة أخيره خالية من أي رحمة، ولِف وشّه ومشي بثبات على السلالم، وسابها واقفة في الممر بتعيط وتترعش، ونزل على طول وركب عربيته وطلع على شركته، وسابها لوحدها مع القهر والقلة حيلة.

رواية كيان الفهد بقلمييييي زهرة الثالوث
في مكتبه الفخم بشركة المقاولات، كان فهد قاعد ورا المكتب الخشبي العريض، قدامه شاشات الكمبيوتر مفتوحة على مخططات هندسية معقدة وتقارير مبيعات بآلاف الجنيهات. عينيه كانت بتتحرك بتركيز شديد بين الأوراق، وإيديه بتوقع العقود بمهارة ورتابة رجل أعمال تمرس على إدارة الإمبراطورية دي لسنوات. لكن رغم الهيبة والهدوء الظاهري اللي مالي المكان، كان في شتات غير عادي بيحاول يداريه.
​شريط المشهد بتاع الصبح مش راضي يفارق خياله؛ دموعها، صراخها، وضربه بكفوفها الصغيرة على صدره، ونظرة العجز الشديد اللي كانت في عينيها. كان كل ما يمسك قلم عشان يكمل توقيع، يفتكر صوت شهقاتها وهي بتزقه، فيرجع القلم مكانه ويعدل قعدته بضيق.
​مسك التليفون الأرضي الخاص بدائرته المغلقة، وضغط على زرار الاتصال المباشر بالفيلا. رن التليفون مرتين قبل ما يجي له صوت “الدادة فاطمة”، كبيرة الخدم في الفيلا واللي مربياه من صغره وله معزة خاصة عنده.
​قالت الدادة بصوت دافي: “أيوة يا فهد يا بني، خير؟ في حاجة نسيتها في الفيلا؟”
​فهد بنبرة جافة ومصنعة البرود: “صباح الخير يا دادة… لا مانسيتش حاجة. أنا بس بتابع أحوال البيت، العمال أتموا شغل الجنينة النهاردة زي ما قلت؟ والطلبات اللي طلبتها للمطبخ وصلت؟”
​ردت الدادة: “أيوة يا بني، كل حاجة تمام ومترتبة زي ما أنت عايز بالظبط.”
​سكت فهد لحظة، وحرك صوابعه على المكتب بنفاذ صبر، وقرر يلف ويدور في الكلام عشان يوصل للي عايزه من غير ما يبين اهتمامه: “تمام… أصل أنا سبت الفيلا الصبح وكان في هرجلة وشوية قزاز مكسور في الممر عند الأوض فوق، الجو انضبط ولا السكن فوق لسه مكركب؟ الشغالين الجداد قايمين بشغلهم ولا مقضينها عياط ودلع؟”
​ابتسمت الدادة فاطمة بفهم وهي حاسة بنبرة ابنها اللي مربياه وعارفة دخلاته كويس، وقالت بأسى: “قصدك على كيان يا فهد؟ البنت من ساعة ما أنت مشيت وهي قافلة على نفسها الأوضة ورافضة تخرج. دخلت لها الأكل لقيته زي ما هو، البنت عينيها ورمت من كتر البكا ويا حبة عيني حاسة إنها غريبة ومكسورة أوي.”
​ضغط فهد على قبضة إيده بضيق، وظهرت نبرة حادة وصارمة في صوته عشان يداري أي أثر للذنب: “ومين قالك تدخلي لها الأكل لحد عندها يا دادة؟ أنا قايل إنها نازلة تشتغل هنا مش جاية تتضايف! هي فاكرة إنها بدمعتين هتخلينا نتحايل عليها؟ اللي مش عايز يشتغل الباب يفوّت جمل، والبيت اللي حيلتها هيتاخد منها.”
​ردت الدادة بصوت هادي مليان حكمة: “يا بني بالراحة على البنت، دي عيلة بريئة ومش وش بهدلة، وشكلها عمرها ما خرجت من بيتها ولا شافت قسوة من دي.”
​فهد أخد نفس عميق وقال بنبرة مستفزة وهو بيحاول يقنع نفسه قبل ما يقنعها: “بريئة؟ ما يغركيش الوش ده يا دادة… الستات كلهم حيد وحدة وبيمثلوا البراءة لما يتزنقوا. المهم، خليها لما تفوق تنزل المطبخ وتشوف الشغل اللي وراها، وتجهز لي القهوة والتنضيف بتاع مكتبي الخاص في الفيلا قبل ما أرجع. مش عايز دلع حريم عندي.”
​قالت الدادة بنبرة قلة حيلة: “حاضر يا فهد، اللي تشوفه.”
​قفل فهد الخط، ورجع ظهره لورا على الكرسي الجلد الفخم. حط إيديه على وشه وسرح وهو بيفتكر كلام الدادة إنها مكلتش وعينيها ورمت من العياط. كان المفروض يحس بالانتصار إن كبرياءها اتكسر، بس على العكس، حاسس بنار بتولع جواه وعلامات استفهام بتزيد: هل هي فعلاً بتمثل زي ما هو معتقد؟ ولا البنت دي بجد بريئة ومظلومة وهو اللي قساوته عمته؟
رواية كيان الفهد بقلميييييي زهرة الثالوث
رجِع فهد الفيلا في وقت متأخر من الليل، السكون كان مالك المكان كله والخدم كلهم نزلوا يناموا في سكنهم. كان ماشي بخطوات هادية وتقيلة، ماسك جاكيت البدلة بإيد ومُعلقه على كتفه، وإيده الثانية في جيب بنطلونه. وهو طالع في الممر الهادي، لمح باب أوضتها موارب، ونور خافت جداً طالع منه.
​قرب بخطوات غير مسموعة وفتح الباب بإيده بالراحة. لقى كيان قاعد على طرف السرير، لسه بهدومها، وضامة ركبتها لصدرها وعينيها متبتة في الأرض ودموعها جافة على خدودها، واضح إنها قَضت النهار كله في حزنها ووجعها.
​أول ما الباب اتفتح، اتخضت كيان ورفعت رأسها بلهفة. لما شافته واقف بطوله الفارع وهيئته الصارمة، وقفت بسرعة وعف Were بفضيلة وأدب شديد، حطت إيديها قدامها وطأطأت رأسها للأرض بصوت واطي ومكسور: “حمد لله على السلامة يا فهد بيه…”
​فهد وقف عند الباب، عاين ثباتها البريء وهدوءها رغم القهر اللي جواها، وبصلها بنبرة جافة وخالية من أي مشاعر: “انتِ لسه صاحية لحد دلوقتي ليه؟”
​ردت بصوت خافت بيترعش: “مستنية حضرتك لو محتاج أي طلبات قبل ما تنام…”
​سكت فهد لحظة وهو بيراقب أدبها وانصياعها الخالي من أي خبث، وبعدين نزل جاكيت البدلة من على كتفه وقال بأمر ونبرة حاسمة: “انزلي المطبخ دلوقتي… حضري لي العشاء وهاتيهولي على المكتب تحت.”
​هزت رأسها بالموافقة فوراً وقالت بقلة حيلة: “حاضر يا فهد بيه… ثواني ويكون جاهز.”
​تحركت من قدامه بخطوات سريعة ومهذبة متجهة للسلالم، بينما فضل فهد باصص في أثرها بملامح جامدة وعيون محتارة بتفكر في البنت دي اللي مش عارف يكسر كبرياءها ولا يوصل لآخرها.

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *