جبل الهواري

جبل لف لقمر وهو بينهج، وعيونه فيها مزيج مرعب من الغضب والإعجاب. قرب منها ومسكها من كتافها بعنف وهزها:
’أنتي كيف تخرجي واصل؟ كنتي عايزة تمو*تي وتكتميني بدمك؟’
قمر، والدموع في عينيها، مدت إيدها ولمست جرح كتفه:
’أنت انصبت بسببي يا جبل..’
جبل شد إيدها ونزلها، وقال بصوت فحيح:
’الجرح ده مبيوجعش.. اللي بيوجع فعلًا هو التمرد اللي في راسك ده.. بس وحق الجرح ده، من الليلة مفيش خروج، ومفيش كلمة هتتقال في البيت ده غير كلمتي.. أنتي دلوقت دخلتي ذمتي بجد، والحساب بيننا لسه مبدأش!’
شالها بين إيديه قدام الكل، ودخل بيها البيت وهنادي واقفة على السلم وشها أصفر من الغيرة، والحاجة راضية بتهز راسها وبتقول:
’دخلت النــ,,ـــــار برجليك يا ولدي.. والبت دي شكلها هي اللي هتطفي نــ,,ـــــارك أو تحــ,,ـــــرقنا كلنا!’
جبل دخل أوضته ورزع الباب برجله، ونزل قمر على السرير، وبدأ يفك شاله وهو بيبصلها نظرة خلت قلبها يدق طبول الحرب من جديد.”
”رمى جبل سلاحه على التربيزة بعنف، وكان الدم مغرق قميصه الأبيض. قمر كانت واقفة بتترعش، مش بس من منظر الدم، لكن من نظراته اللي كانت بتحاصرها زي الصياد.
قربت منه بخطوات مترددة، ومدت إيدها لكتفه وهي بتقول بصوت واطي:
’لازم أطهرلك الجرح ده.. الدم مش راضي يقف.’
جبل مسك إيدها قبل ما تلمسه، وضغط عليها بقوة وهو بيبص في عينيها:
’خايفة عليا يا بت المنشاوية؟ ولا خايفة السند اللي اتحميتي فيه يقع وتلاقي نفسك لوحدك تاني؟’
قمر رفعت راسها وقالت بتحدي وهي بتحاول تداري وجع إيدها من قــ,,ـــــبضته:
’خايفة على الراجل اللي وقف قدام الرصاص عشاني.. حتى لو كان الراجل ده هو نفسه السجان اللي نويت أتمرد عليه.’
جبل ساب إيدها بحدة وقعد على الكرسي، وشاور لها بصباعه:
’هاتي الشاش والمنكر (المطهر) من الدرج.. ووريني يدك اللي بتقولي عليها بتعرف الشغل هتعمل إيه. مايا خالد
بدأت قمر تداوي جرحه، كانت قريبة منه لدرجة إنها سامعة دقات قلبه المنتظمة رغم المعركة اللي كانت من شوية. جبل كان باصص لملامحها المركزة، ولأول مرة يحس إن ‘التمرد’ اللي في عينيها مش مجرد كلام، دي قوة حقيقية.
وفجأة، الباب اتفتح من غير استئذان، ودخلت ‘هنادي’ وهي بتولول:
’يا مري! جرى لك إيه يا سيد الناس؟ بقى حتة العيلة دي تكون السبب في دمك اللي سال؟ ابعدي يدك دي عنها يا فقرية!’
جبل مص لـ هنادي بنظرة خلتها تقف مكانها:
’هنادي! قولتلك ميت مرة خبطي قبل ما تدخلي.. وقمر هي اللي بتداوي جرحي، اطلعي بره وشوفي المطبخ والخدم.’
هنادي وشها احمر من الغيظ وقالت بصوت مخنوق:
’بتمشيني عشانها يا جبل؟ دي باين السحر اشتغل بدري قوي! بس وحق اللي بينا، البت دي مش هتبات ليلة تانية في الدار وأني موجودة!’
خرجت هنادي وهي بتخبط في الحيطان من كتر الغل، وقمر كملت ربط الشاش على كتفه وسكتت. جبل قام وقف، وبقى طوله الفارع مغطي عليها، رفع دقنها بإيده وقال بصوت هادي ومرعب في نفس الوقت:
’هنادي واصلة (قوية) في البيت ده يا قمر، وليها ناسها.. لو فاكرة إنك بكلمتين حلوين وبلمسة يد هتسيطري، تبقي غلطانة. الحرب الحقيقية مش اللي حصلت بره مع عمك.. الحرب الحقيقية جوه الحيطان دي.’
قمر بصت له بابتسامة ثقة:
’وأنا مبهربش من حروب يا جبل بيه.. اللي وقفت قدام بندقية عمها، ميهزهاش كيد حريم.’
جبل ضحك ضحكة مكتومة، لأول مرة تظهر على وشه القاسي:
’عجباني الثقة.. بس استعدي، لأن الليلة ‘الحاجة راضية’ أمرت إن الكل يقعد على سفرة واحدة.. وهناك هتعرفي إن عِش الدبابير اللي دخلتيه، مبيطلعش منه حد سليم.’
”اتجمعت العيلة كلها على السفرة الطويلة. ‘جبل’ قاعد في ص.در المكان، وعن يمينه أمه ‘الحاجة راضية’، وعن شماله كانت ‘هنادي’ اللي قاعدة ومربعة إيديها وبتبص لـ ‘قمر’ بنظرات سمّ. قمر كانت قاعدة في آخر السفرة، حاسة إنها غريبة، بس ضهرها مفرود وعينها منزلتش الأرض.
هنادي بصت لطبق قمر وقالت بـ لؤم:
’كلي يا عروسة.. كلي واتغذي، أصل اللي زيك وراهم أيام سودة محتاجة جهد.. ولا إنتي متعودة في بيت عمك على الأكل الني؟’
قمر سابت المعلقة وبصت لها ببرود:

