كيان الفهد ج1 بقلم زهرة الثالوث

رواية كيان الفهد بقلمي زهرة الثالوث
في الصالون البسيط بتاع البيت، كانت كيان قاعدة قدام عمها، وشها منور بأمل طفولي رغم التعب اللي باين في عينيها. عمها كان قاعد ومهموم، راسه بين إيديه ومش عارف يعمل إيه بعد ما فهد المنياوي سحب كل حاجة وأمهلهم أسبوع واحد عشان يسيبوا البيت.
​مسكت كيان إيد عمها بلهفة وقالت بصوت كله حماس: “يا عمو ابسط! أنا لقيت الحل… جت لي فرصة شغل كويسة جداً ومش هتخلينا نسيب البيت خالص، وهنسدد منها الدين الأخير لـ فهد المنياوي ده!”
​رفع عمها راسه وبصلها باستغراب ودهشة: “فرصة شغل إيه يا كيان؟ ودين إيه اللي هتسدده طالبة في ثانية هندسة؟ فهد المنياوي ده راجل صلب ومش بيمشي معاه الكلام ده!”
​ابتسمت كيان بوفاء وبراءة وقالت: “أنا رحت له المكتب بنفسي وعرضت عليه الشغل، وهو وافق يا عمو! صحيح الشغلانة صعبة شوية وهتاخد مني اليوم كله، يعني ممكن أرجع كل يوم على الساعة عشرة بالليل كده، بس المهم إننا مش هنترمى في الشارع والدين هيتسدد.”
​عمها أول ما سمع كلمة “عشرة بالليل” ورايحة لـ فهد المنياوي، ملامحه اتغيرت وظهر عليها التردد والخوف. قالي بصوت قلقان: “ترجعي عشرة بالليل؟ وشغل إيه ده اللي مع راجل زي فهد المنياوي لحد بالليل يا كيان؟ لا يا بنتي، أنا خايف عليكِ، فهد ده راجل قاسي وما بيعتقش، والبلد كلها بتخاف منه.”
رواية كيان الفهد بقلمي زهرة الثالوث
​قربت كيان منه ومسكت إيده جامد وبدأت تترجاه بإصرار شديد: “عشان خاطري يا عمو وافق! إحنا معندناش أي حل تاني، أرجوك… البيت ده هو اللي باقي لينا من ريحة بابا، وأنا مستعدة أعمل أي حاجة عشان نحافظ عليه. أنا قوية وهخلي بالي من نفسي كويس، صدقني مفيش حاجة تقلق!”
​فضل عمها يبص لشكلها البريء ولإصرارها، وعقله بيدور فيه مية فكرة وفكرة، بس في الآخر طأطأ راسه بقلة حيلة. ما كانش قدامه أي بديل تاني ينقذهم من التشرد، فوافق وهو مكسور وبيقولها بصوت خافت: “ربنا يحفظك يا بنتي ويسترها معاكي… مفيش في إيدي حاجة أعملها غير إني أوافق.”

رواية كيان الفهد بقلمي زهرة الثالوث

دخلت كيان بوابة الفيلا الكبيرة، وعينيها واسعتين من الذهول. كانت تبص على النوافير، والجنينة المترامية، والعمائر الفخمة بذهول طفولي خالص. أول ما دخلت البهو الرئيسي، وقف فهد ببرود واستدعى طقم الخدم اللي شغالين في القصر، وقّفهم في صف، وبص لكيان بنبرة جافة وقال:
​”دول طقم الخدم بتوع الفيلا، بيخدموا المكان كله… أما انتِ، فخدمتك ليا أنا وبس، مالكيش دعوة بأي حد تاني ولا أي شغل تاني غير طلباتي.”
​بعدها أشار لها تتبعه، وطلع بيها لغرفة قريبة من أوضته الخاصة عشان يوريها مكان نومها. أول ما فتح الباب، اتفاجأت كيان جداً؛ الأوضة كانت عبارة عن أوضتين متصلين ببعض وفيها سريرين، ومش دي الأوضة المخصصة للخدم اللي كانت متوقعة تشوفها، وكانت حاسة إن قرب الأوضة من أوضته مش مريح أبداً.
​ردت كيان بتلعثم وخوف: “حضرتك… أنا مش هينفع أقعد في الأوضة دي، دي قريبة أوي من أوضتك وأنا افتكرت إني هكون في السكن بتاع الخدم تحت.”
​رد فهد ببرود تام وهو حاطط إيديه في جيبه: “أنا اللي بحدد مين يقعد فين هنا. شغلتك تبدأ من أول ما أفتح عيني لحد ما أنام، ولازم تكوني قريبة مني طول الوقت. مش عاجبك؟ الباب يفوت جمل والدين يتسدد فوراً والبيت يتاخد.”
​بلعت كيان ريقها بقلة حيلة وقالت: “طب… هتديني فرصة أتصل بعمي أستأذنه إني هأبت عشان الشغل بعيد؟”
​أومأ فهد ببرود. مسكت كيان التليفون واتصلت بعمها، وهي أصلاً مش قايلة له إنها راحت لـ فهد المنياوي ولا قايلة له إنها هتشتغل خدامة. كيان قالت لعمها إنها لقت شغل في مكان بعيد جداً عن منطقتهم، وطبيعة الشغل دي هتحتم عليها تبيت مع زميلاتها البنات اللي شغالين معاها في نفس المكان.
​عمها أول ما سمع موضوع المبيت رفض في الأول وقلق، بس كيان بدأت تترجاه بإصرار وتأكد له إنها مع بنتا زميلاتها في مكان آمن، وأن المرتب ده هو الحل الوحيد عشان البيت ما يضيعش والدين يتسدد، لحد ما وافق عمها في الآخر بعد محاولات مستميتة وهو يدعو لها بالستر.
​بدأت كيان شغلها فعلاً، وكانت بتتحرك في الفيلا بطلب من فهد، تنضف مكتبه وتجهز حاجته. وطول الوقت كان فهد بيراقب كل حركة بتعملها بنظرات حادة ووقحة، محملة بالشك والاتهام.
​النظرات دي أثارت غيرة “سهام”، الخدامة اللي كانت بتعتبر نفسها الجارية الخاصة بفهد بالليل. انسحبت سهام بضيق وطلعت لغرفة فهد، وبعد ما قضى وقته معاها كالعادة بأسلوبه الجاف اللي بيعاملها بيه كأي سلعة رخيصة، بدأت سهام تحاول تشوه صورة كيان قدامه من غير ما تبين إنها غيرانة.
​قالت سهام بنبرة خبيثة وممثلة الحرص: “على فكرة يا فهد باشا… أنا بس حابة أقول لحضرتك حاجة عشان تاخد بالك. كيان دي عايشة قدامك دور الشريفة العفيفة البريئة، إنما قدامنا إحنا في المطبخ بتتدلع على الجرسون وتتضاك وتتدلع على الطباخ! دي بنت قليلة الأدب وبتضحك مع ده وده، ومالهاش أمان خالص.”
​فهد هدي وبدأ يسحب منها الكلام بالراحة ومن غير ما يبين أي رد فعل، عشان يفهم هي بتقول إيه بالظبط. سألها ببرود مريب: “ممم… وتعرفي منين إنها بتتدلع عليهم؟ شفتيها بتعمل إيه بالظبط؟”
​قعدت سهام تزيد وتعد في الكلام وتألف مواقف، وبدأت تزودها بزيادة وتسيء لكيان بشكل مبالغ فيه. هنا فهد حس إن الكلام كله ناتج عن غيرة حريم ونفسنة شغالات، وأنها جاية عليها بزيادة.
​بصلها فهد بطريقة عادية خالص ونبرة هادية لكن صارمة وقال: “اخرجي بره دلوقتي روحي أوضتك… لما أعوزك هطلبك، وما تجيليش تاني الأوضة دي من غير ما أنا أطلبك بنفسي.”
​خرجت سهام بكسرة نفس، وقعد فهد يولع سيجارته ويفكر في الكلام؛ رغم إنه عارف إن سهام غيرانة، بس شكوكه القديمة وطبعه اللي مش بيثق في أي ست خلوه يسرح ويراجع كل حركة شافها من كيان.

الصفحة السابقة 1 2 3الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *