رواية مسك الرعد بقلمي زهرة الثالوث
الفصل التاني
●●●●●●●●
في اليوم التالي، كان القصر يغلي بالحركة. رعد جمع كبار رجال العصابات ورؤساء المافيا المنظمة في صالة الاجتماعات السفلية، عشان ينهي واحدة من أشرس وأخطر صفقات الس\لاح والتهريب في الشرق الأوسط.
الجو كان شديد السخونة والتوتر. الرجالة كلهم قاعدين بأسلحتهم، ملامحهم مرعبة، ونظراتهم ملبانة غدر، ومحدش فيهم بيجرؤ يتنفس بصوت عالٍ قدام رعد. رعد كان قاعد في صدارة الطاولة، لابس بدلة سوداء أنيقة، بيمسك سيجاره الفاخر وبيرمي الكلمات بحساب، مع كل كلمة كان بيمضي على ملايين الدولارات وبيحسم مصير عائلات بحالها.
مسك الرعد بقلمي زهرة الثالوث
وفجأة، ومن غير أي إنذار، الباب الضخم للصالة اتفتح بقوة وخرج منه صوت دراماتيكي يقطع السكون.
كانت مسك!
مسك استغلت غفلة الحراسة فوق، ونزلت تفتش عن مخرج بكل طيش وغضب. أول ما دخلت، اتفاجئت بالقاعة المظلمة والرجالة المرعبين، بس غرورها وتمردها منعوها إنها ترجع لورا.
كل النظرات في القاعة اتحولت ليها في ثانية. رجالة المافيا والشركاء اتصدموا؛ عينيهم اتسعت باستغراب وذهول، ازاي بنت بسيطة ومصرية تدخل على “رعد” في نص صفقة خطيرة زي دي من غير ما تتعدم في مكانها؟ بدا على وجوههم التساؤل والتهديد، وبعضهم حط إيده على س\لاحه مستني إشارة من رعد عشان يتخلصوا من الدخيلة.
رواية مسك الرعد بقلمي زهرة الثالوث
لكن رد فعل رعد كان هو الصدمة الحقيقية للجميع.
رعد أول ما شافها، ملابسه القاسية وجموده اتغيروا في لحظة. وقف من على كرسيه بطول فارع، وهيبة مرعبة ملأت المكان. قبل ما حد من رجاله أو الشركاء يفكر حتى ينطق كلمة أو يبص لها بنظرة مش تمام، رعد بص للجميع بنظرة حادة زي السيف، خلت كل الرجالة يوطوا رؤوسهم في الأرض فوراً ويرجعوا إيديهم لورا من الرعب.
رواية مسك الرعد بقلمي زهرة الثالوث
مشى رعد بخطوات واثقة وسريعة ناحية مسك، وقفت هي مكانه بلعثم وخوف من شكل الرجالة، بس حاولت تتظاهر بالثبات.
رعد قرب منها، وبكل هدوء وحماية وكسر لكل قوانين المافيا الصارمة، شال جيليه بدلتوا وحطه على كتفها يغطيها، وحاوط ظهرها بإيده بثبات، وبص لرجاله وقال بصوت هز جدران القاعة:
”الاجتماع انتهى… واللي شفتوه هنا لو خرج منه حرف واحد، هتبقى آخر حاجة تنطقوها في حياتكم.”
خرج الشركاء والرجالة بيجروا زي الفيران من القاعة، مش مصدقين إن الزعيم القاسي اللي مبيرحمش، وقف صفقة بمليارات عشان حماية ونظرة بنت متمردة.
التفت رعد لمسك، وكانت عينيه بتلمع بخلطة غريبة من الغضب والافتتان، وقال بصوت واطي ومبحوح: “دخلتي عش الدواعش برجلك يا مسك… كنتي فاكرة إنك هتهربي، ولا كنتي جاية تتأكدي بنفسك إن رعد مستعد يحرق العالم كله عشان خاطر نظرة من عينيكي؟”
رواية مسك الرعد بقلمي زهرة الثالوث
رعد كان محاوط مسك بكتفه وبيحاول يوجهها بصلابة ناحية السلم عشان تطلع أوضتها بأمان قبل ما أي حارس لمحت عينيه الصدمة يتجرأ ويبص لها تاني.
بس مسك أول ما استوعبت إن الخطر المباشر من الرجالة المرعبين زال، والجو بقى فاضي عليهم، طاقة الغضب والقهر اللي جواها انفجرت كلياً!
نفضت جاكيت البدلة من على كتفها ورمته في الأرض بغل، وبدأت تصرخ في وشه بكل قوتها وهي بتزقه في سدره: “ابعد عني! متلمسنيش يا مجرم يا بلطجي! أنت فاكر نفسك مين؟! ربنا ينتقم منك ومن الفلوس والرجال اللي مخلياك فاكر إنك إله في الأرض!”
بدأت الشتايم تطلع منها بعفوية وبحرقة قلب، والدموع أخيرًا خانتها ونزلت مغرقة وشها. انهارت مسك في العياط، وهي بتضرب في صدره بقبضتها الضعيفة اللي مكنتش بتهز في رعد شعرة، بس كانت بتقطع في قلبه من جوة. كانت بتصرخ بصوت مخنوق بالبكاء: “أنا عايزة أمي… عايزة أرجع بيتنا البسيط! أنا بكرهك وبكره القصر ده وبكره كل حاجة تفكرني بيك!”
رعد كان واقف ثابت زي الجبل، سابها تفرغ كل شحنة الغضب والشتايم والدموع فيه من غير ما يرفع إيده أو يقاطعها بكلمة. لأول مرة، ملامح الزعيم القاسي اختفت تماماً، وحل مكانها نظرة وجع حقيقي وهو شايف نظرة الخوف والقهر في عيونها.
أول ما حس إن حيلها اتهد وأنفاسها بقت متقطعة من كتر البكاء، قرب منها بالراحة خالص، ومن غير ما يضغط عليها، مسك إيديها الاثنين بين إيديه الكبار، وبص في عينيها الحمرا من الدموع وقال بنبرة دافية وناعمة لأول مرة تمس قلبها:
”كفاية يا مسك… خلاص. أنا مش عايز أشوف الدموع دي تانـي، ولا عايزك تحسي إنك في سجن.”
مسك كانت بتبصله بذهول وهي بتمسح دموعها بظهر إيدها زي الأطفال، فرعد كمل كلامه وبابتسامة هادية: “غيري هدومك… أنا مش هرجعك بيتك دلوقتي لأنك ملكي، بس مش هسيبك تتخنقي هنا. هاخدك مكان مفيش فيه حراس، ولا شغل، ولا جدران تقفل عليكِ.”
بعد ساعة واحدة، كانت مسك قاعدة في عربية رعد الفخمة وهي ساكتة تماماً ومش فاهمة هو واخدها على فين. العربية وقفت قدام المرسى الخاص في الساحل، وقدمها كان يخت أبيض ضخم وساحر، متزين بالإضاءة الخافتة ووسط مياه البحر الهادية تحت النجوم.
نزل رعد وفتح لها الباب، ومسّكها إيده بالراحة وهو بيعديها لسطح اليخت. الريح الخفيفة والهواء النقي صدموا وش مسك، ولأول مرة من أيام، حسّت إن ريئتها بتتنفس بحرية.