ليلة في حضن الجبل بقلم زهرة الثالوث ج1

رواية ليلة في حضن الجبل بقلمييييييي زهرة الثالوث

الفصل الاول
===========
صرخت ليلة والدموع مالية عينيها، وصوتها بيرن في السرايا القديمة: “كيف يعني أكون أنا القبان؟ أتجوز جبل العزايزي؟ أنتوا نسيتوا إن عيلته هي اللي حرمتني من أخوي؟”
​كانت العيلة كلها متجمعة في المندرة الكبيرة، والسكوت يقطع النفس. قرب منها أبوها، الشيخ مهران، بخطوات تقيلة هادّها الهم، ووقف قبالتها وهو بيحاول يمسك نفسه. حط إيده على كتفها وقال بصوت حنين بس حاسم: “يا بنيتي، الجرح واعِر وعارف إنك شايلة جمر في قلبك.. بس الدم لو جاب دم، السلسال مش هينتهي واصل. ولد عمك مات، ولو ما وافقتيش على الجوازة دي، بكرة هبكي عليكِ وعلى بقية رجالتنا. جوازك من ‘جبل’ هو اللي هيدفن التار ويطفي النار اللي بتاكل في العيلتين.”
​تدخلت أمها وهي بتبكي مقهورة، مسكت إيديها المرتجفين وقالت: “عشان خاطري يا ليلة، كفاية دموع وكفاية مدافن.. ‘جبل’ شديد وواعر، والكل بيعمله ألف حساب، بس هو الوحيد اللي كلمته سيف على عيلته. لو دخلتِ بيته، هتحمي أهلك وإخواتك من رصاصة طايشة مالهاش صاحب.”
​بصت ليلة في وجوه الكل؛ عمها باصص في الأرض بعجز، وأخوها الصغير ماسك سلاحه وعينه جمرة نار مستني إشارة عشان ياخد بالتار، وأبوها الحنين واقف قدامها بيخيرها بين نارين: يا تضحي بنفسها، يا تستنى جنازة جديدة.
​قلبها اتعصر لما سمعت اسمه.. “جبل”. الراجل اللي بتسمع عن قسوته وهيبته من وهي صغيرة، الراجل اللي الكل بيخاف منه، واللي بقى هو القفص اللي لازم تدخله برجليها.
​مسحت دموعها بكبرياء، وبصت في عين أبوها وقالت بصوت مجروح بس ثابت: “عشانك يا أبوي.. وعشان ما أشوفش دم تاني، أنا موافقة. بس اعرفوا إن ليلة اللي هتدخل سرايا العزايزي، مش هترجع زي ما كانت.”

روابة ليلة في حضن الجبل بقلمييييي زهرة الثالوث

عدّل جبل شاله الأبيض على كتفه، وقعد على كرسي الخيزران الكبير في صدر المندرة. طليعته ووقاره يفرضوا الهيبة على كل القاعدين؛ جلبابه الكحلي المغسول بالنيل ومكوي بالسيف، وعصايته الأبنوس المطعمة بالفضة مستندة بين إيديه. ملامحه الحادة، وعينيه اللي زي صقر مش بيتساهل، كانت كفيلة تخلي الكبار قبل الصغار يعملوا له ألف حساب.
​كانت المندرة مليانة برجالة عيلة “العزايزي”. الشاي بالنعناع بيطلع دخانه، بس الجو كان أبرد من التلج من كتر الشحن. عمّه الحاج كمال حط كوباية الشاي، وبص لجبل بنظرة ثقيلة وقاله: “يا جبل.. الكبار اتجمعوا، والحكماء قالوا كلمتهم. السلسال ده لازم يقف، والدم اللي بيننا وبين عيلة مهران لازم ينشف. الحل الوحيد إنك تتجوز ‘ليلة’ بت الشيخ مهران.”
​جبل ما تحركش فيه عصب، ولا عينيه ترمش، بس قبضته على العصاية الأبنوس ضغطت لحد ما عروق إيده برزت. كانت زوجته الأولى “صفية” قاعدة ورا الستارة القصب اللي بتفصل المندرة عن الحريم، سامعة كل كلمة، وقلبها بيتقيد نار، بس ما حدش يقدر ينطق ولا يعترض على كلام جبل أو كبار العيلة.
​رد جبل بصوت جاف وزي الصخر، صوته يرن في السقف العالي: “أنا متجوز يا عمي.. وبيت جبل العزايزي مش لعبة عشان يدخله حد بقرار مجلس عُرفي. ولد مهران هو اللي بدأ بالغدر، وبدل ما ناخد بتارنا بالرصاص، كأننا بنكافئهم؟”
​قام الحاج كمال ووقف قدامه، وقال بنبرة مليانة حسرة: “ما هواش كسبان يا جبل! هما كمان خسروا، والدم لو كمل، بكرة أنا هبكي عليك أو هتبكي على إخواتك. البنت هتجيلك لحد بيتك، وده يديك حقك ويقفل باب الفتنة. أنت كبير العيلة، والكبير هو اللي بيشيل الجمر بإيده عشان الباقين يعيشوا.”
​ساد السكوت المندرة من تاني. الكل مستني كلمة جبل، لأن كلمته هي السيف اللي يقطع يا بالسلم يا بالدم. جبل بص لرجالة عيلته، شاف الخوف في عينين الشباب الصغيرين، والشقى في عينين الكبار اللي شبعوا مدافن وتار.
​سرح لحظات.. اسمه “جبل”، ولأنه جبل، لازم يشيل الحمل وما ينحنيش.
​قام وقف بطوله الفارع، لف شاله على كتفه بتكشيرة هيبة هزت المكان، وبص لعمّه وقاله بصوت واطي بس يخوف من كتر الثبات: “الدم هيقف يا عمي.. مش عشان خايفين ولا عشان هما يستاهلوا، بس عشان رجالة العزايزي ما يتغدروش وهم ماشيين في الشارع. هاتجوز ليلة بت مهران.. بس اعرفوا كلكم، إنها هتدخل السرايا دي كفلان تار، مش كعروسة، واللي هيدوس على طرف عيلتنا، مالهوش عندي إلا السلاح.”
​مشى جبل بخطوات تقيلة وواثقة وخرج للمربوعة الخارجية، وساب المندرة تتهامس عن الرجولة اللي شالت الجمر عشان تحمي العيلة، وعن “ليلة” اللي دخلتها سرايا جبل مش هتكون مفروشة بالورد واصل.

1 2 3الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *