قدرها ضرغام بقلم هدى

و من ضمن الناس هو ضرغام احنا بنعمل حسر مش أكتر وحتى لو هو ابنك ف هو مشتبه فيه آسف ده قانون ولازم يتطبق .
تنفس والد ضرغام بعمق وهو يقول
_ تمام شوف شغلك يا حضرة الظابط.
حرر الضابط محضر بالواقع ثم بدأ يستجوب المشتبهين فيهم مستبعدًا ضرغام لحدثة خروجه من السجن أي يعني بعد الواقعة بأسبوع تقريبًا .
خرج مع والده بعد قرابة الساعتين داخل القسم، اعتذر عن ما بدر منه و هو يقول بنبرته الماكرة
_ مش عارف اقولك إيه يا ضرغام يا ابني بس أن..
قاطعه بتساؤل وقال
_ أنت أيه اللي جابك هنا وحاجة إيه دي اللي اتسرقت ؟
توقف أمام سيارته الفارهة ثم أشار له وقال
_ اركب وأنا افهمك
_ على فين ؟
_ على بيتنا يا ضرغام!
اقترب منه وهو يلتفت موله ثم قال
_ بص عشان شكلك تعبان في دماغك ووارك بلاوي أنا مش معرفش اولها واخرها، أنا مش ابنك ولا عاوز أكون ابنك روح لحالك وسبني في حالي .
_ يا ابني مبقاش في، في العمر باقية عشان نبعد عن بعض ارجع لي و اعملك اللي تتطلبه .
ابتسم له وقال
_ دلوقتي بس افتكرت اني ابنك ؟ طب لما طردتني وأنا عندي خمس سنين أنا وامي عشان الهانم الجديدة مكنتش ابنك لما جيتلك بنفسي وأنا عندي عشر سنين واقولك امي تعبانة ومش معاها حق العلاج كلفت خاطرك تتدفع حق العلاج ولو على سبيل الصدقة مثلا ؟
أشار تجاه الحارة حيث الطريق العام وقال
_ امشي و مدورش واريا مرة تانية عشان مش هرجالك مهما حصل امشي عشان تكة وهنسى اني شايل اسمك و إنك ابويا .
ابتسم له وقال
_ طالما قلت ابويا يبقى هترجع وأنا هستناك يا ضرغام .
في مساء اليوم نفسه
كانت عائلة ضرغام داخل غرفة الضيوف الخاصة بمنزل دنيا كانت الجدة تشرح الوضع الذي يعيش فيه حفيدها مؤقتًا حتى تنتهي من شقته بالطابق الثالث.
لم يعترض والدها لم يُبدى أي ردة فعل سوى الموافقة و الطاعة العمياء حتى يتخلص من ابنته الوسطى دنيا
تعجب العريس من تلك الموافقة السريعة لكنه علم جيدًا من أمه أن هذا الرجل حاد الطباع وليس بسوي نفسيًا .
خرج الجميع عدا هو جلس ليتعرف على عروسه، سألها عن اسمها فأجابت بهدوء ونبرة خافتة
_ دنيا!
_ عاشت الاسامي و أنا ضرغام .
وبادلوا بعض الاسئلة العابرة و المتعارف عليها في مثل هذه الجلسات، عكس ما كان يدور بالخارج تمامًا، ما إن أتت آيات و صافحت الجميع بإبتسامة خفيفة عرفت أنه العريس المبجل، جلست و هي تقول
_ و هو ابنكم كان مسجون في إيه بقى إن شاء الله ؟
ردت الجدة قائلة
_ كان ضامن خاله و خاله طلع واطي ف اتحبس مكانه ياحبيبتي متقلقيش .
مطت شفتاها بسخرية وهي تنظر لأبيها قائلة بهمس
_ ونعم النسب يا سيد لا برافو عليك بجد كل مرة بتعلى ب مستوى جبروتك لما مبقتش عارفة لك حاجة .
وقفت عن المقعد وهي تقول بعتذار
_ طب عن أذنكم عشان ادخل اغير هدومي .
بعد مرور ساعة
التف العائلة حول المنضدة المستديرة لتناول وجبة العشاء في هدوء ولكن كيف يحدث ذلك و أبيها يطالعها بنظراته الساخطة قائلًا
_ كل اخواتك مشيوا و مبقاش غيرك أنتِ قعدة لي زي ازازة الخل
مضغت لقيماتها بببطء شديد وهي تنظر له، ابتلعت الطعام وقالت
_ ريح نفسك مش هتجوز من طرفك يا سيد
_ وماله ياختي العرسان اللي بجيبها طب ده أنضف عرسان بتجيلك من طرفي يا بنت الكلب .
لاحت إبتسامة جانبية وهي تقول
_ بأمارة عسكري الناحية اللي جبته لي وطلع متجوز ومراته عايشة في البلد ولا المعلم درويش الجزار عاوز تتدخلني على تلاتة يا سيد ؟
رد بنبرة مغتاظة وهو يقول
_ أنتِ اللي ملكيش في الطيب نصيب اهي اختك اخدته وعايشة عشية الهوانم اهي .
_ اهني عشبة دي اللي كل يوم والتاني تجيلك وعينها وارمة كده من حريمه يا سيد
_ بس بتأكل لحمة مرتين في الأسبوع و احنا بعد ما كنا بنأكلها مرة في السنة بقينا نأكلها مرة في الأسبوع .
ختمت حديثها و قالت
_ بيعت بنتك وقبضت مكانها كيلو لحمة كل شهر؟ و دلوقتي الدور على دنيا هتجوزها لرد سجون مش لاقي تمن اللقمة اللي هيأكلها وفوق كل ده هيسكنها مع اتنين شقة اوضتين وصالة بنتك هتعيش في اوضة منهم .
ردت والدتها بنبرة غاضبة وقالت
_ مالك يا بت حامية على ابوكي كده ليه ما هو بيعمل كل ده عشان مصلحتكم هو يعني بيعود عليه بحاجة
ردت آيات وهي تتطرق على المنضدة المستديرة وقالت
_ طبلي له أنتِ يا اختي طبلي له
كاد أن يرد عليها لكن قاطعتهما دنيا بصراخ قائلة
_ بس بقى كفاية حرام عليكم أنا زهقت كل يوم والتاني خناق ووجع قلب كفاية أنا زهقت أنتوا مبتزهقوش ؟
هرعت دنيا حيث غرفتها لحقت بها آيات احتوتها و خففت عنها حزنها، كانت تبكي بغزارة شقيقتها وهي تقول
_ هيجوزوني واحد عاش في السجن عشر سنين و اطبع بطبع المحرمين يا آيات .
ربتت على كتفها بحنو وحب، حاولت أن تجد ما يُثلج صدرها وهي تقول
_ كفاية يا عياط يا دنيا قلبك يا حبيتي، كفرية عشان خاطري .
وقالت
_ تحبي اروح اتكلم معاه و اقوله انك رافضاه وإن
قاطعتها بسرعة وهي تقول
_ لا الحكاية مش ناقصة، بابا المرة دي هموتك فيها
_ ما هو مش معقول بردو تتجوزي واحد غصب عنك ده حتى يبقى حرام .
ابتسمت بمرارة وهي تقول
_ وهي عيشتنا دي حلال ؟
ضغطت آيات على يد اختها وقالت
_ انتوا اللي عاملين كده في نفسكم بترضوا بالذل والاهانة عشان خايفين من بابا، لو كلكم قولتوا لا هيرحع عن اللي في دماغه ده جوز اربعة في سنة واحدة من غير ما يجهز ولا يجيب جلبية حتى واحدة عدلة لواحدة من اخواتك .
تنفست بعمق وهي برجاء
_عشان خاطري يا دنيا قولي لا ارفضي وه اقف في ضهرك متخليش حد يحددلك حياتك وتمشي أنتِ عليها كده زي الجاموسة اللي مغميين عيناها .
ردت دنيا بنبرة ساخرة قائلة
_ وهو أنا لو قلت لا هيجي لي واحز زي بتنامي وتقومي تحلمي بيه ده .
ختمت حديثها قائلة
_ فوقي لنفسك يا آيات أنتِ داخلة على الاربعة وتلاتين سنة بعد كام شهر و قطر الجواز فاتك و ياريت في الآخر حتى هيحس بيكي ويجي يخطبك لا ده وهم في خيالك و يا خوفي لتعيش اللي باقي من عمرك على أمل كداب و عمرك يتسرق منك .
وقفت من على الأريكة وقالت بجدية وهي تربت على كتفها
_ فوقي لروحك يا آيات فطين الوجيه ميعرفش إنك عايشة على الكوكب اتجوزي واحد من مقامك عشان مش هيجي لك غيره.
سارت تحاه باب الغرفة لتوقفها اختها بسؤالها
_ و أنتِ بقى ضرغام مقامك ؟
ردت دون أن تستدار لها وقالت
_ اهو احسن من غيره على الأقل عارف عشيتنا و راضي بينا .
ما أن غادرت الغرفة هتفت أختها قائلة بنبرة مغتاظة
_ داري يا دنيا داري و تعالي على نفسك زيهم لما هتيجي على وشك ومش بعيد يلفف واره في المحاكم كعب داير .
وفي أحدى القصور بالتجمعات السكانية الفاخرة، لم يكن مجرد قصر بل تحفة معمارية، ولم لا و من صممه شركة مجموعة الوجيه تحت إشراف المهندس والرئيس التنفيذي لهذه المجموعة فطين الوجيه، ذاك الرجل الأربعيني بل تجاوز الأربعون بعامين و قارب على الثالث
أعزب بعد تحربة زواج فاشلة، كانت صفقة من وجهة نظره تزوجته لأجل اتمام أكبر المشروعات الخاصة بأبيها كانت شراكة عملية و اجماعية، فشلت معه ومع هدوئه المريب لم تستطيع العيش بهذا الروتين الممل، نفس ما يفعله اليوم فعله أمس وسيفعله غدًا.
تربّى على أن يكون هادئًا ومحسوب الخطوات، فلا يرفع صوته ولا يسمح لأحد أن يراه فاقدًا لسيطرته، مهما كانت الظروف طويل القامة، عريض الكتفين، أنيق بصورة هادئة لا يستعرض ثروته؛ يختار ملابسه بعناية، وساعته وحدها قد تساوي راتب موظف لسنوات. ملامحه حادة ووسيمة، وفي عينيه نظرة ثابتة تجعل من أمامه يعيد حساب كلماته قبل أن ينطق بها، لم يكن فطين رجلًا سيئًا، لكنه بعد زواج فاشل انتهى بطريقة جعلته يفقد ثقته في فكرة الزواج نفسها، أصبح أكثر تحفظًا وبرودًا. لا يدخل علاقة بسهولة، ولا يسمح لامرأة أن تقترب من حياته دون أن يعرف تمامًا ماذا يريد منها.
عنده كبرياء هادئ؛ لا يتشاجر، لا يبرر نفسه، ولا يطارد أحدًا. إذا قرر الرحيل، يرحل دون أن يلتفت.
ومع ذلك، خلف هذا الهدوء رجل شديد الحماية لمن يعتبرهم مسؤولين منه. لا يحب الفوضى، ولا يحتمل الكذب، ويكره أن يُفرض عليه أمر لا يريده، جلس على أحز مقاعد المائدة المستطيلة، يتناول وجبة فطورها في هدوء تام، ما تسمعه هو صوت الملاعق فقط، أتى أخيه
وجلس جواره، القى تحية الصباح ثم شرع في تناول وجبته هو الآخر، وضع قدح القهوة وهو ينظر ل فطين ثم قال بتذكر
_ أنا نسيت اقولك امبارح إن المهندس ابراهيم السيوفي جه الشركة و طلب يشوفك شخصيًا.
عقد فطين ما بين حاجبيه متسائلًا بفضول
_ عاوزني في إيه ؟
_ بيقول إنه.
لاقى فكرة جديدة للمشروع هيعرضها عليك يمكن توافق بس بابا قفله الطريق وقاله إنك مصمم على رأيك .
تنهد فطين بعمق ثم قال بنبرة هادئة
_ مازن أنا مش عاوز اشوف الراجل ده في الشركة غير وهو معاه العشرين مليون جنيه أو الأرض بالكامل .
رد مازن بعقلانية
_ ازاي بس يا فطين و الراجل متعثر بشكل مش طبيعي و بعدين متنساش إن…
قاطعه فطين وهو يقف عن المقعد و قال بضي
_ يا ريت أنت اللي متنساش إنه خلف بوعده لينا مرتين ودي هتبقى المرة التالتة و بصراحة الناس اللي من النوعية دي مبحبهاش لأنها ملهاش كلمة لو جه تاني قوله ردي ده يا الأرض بالكامل يا العشرين مليون جنيه وبالكامل من غير ولا مليم ينقص يا نقضيها في المحاكم بقى، عن أذنك عندي اجتماع .
بعد مرور ساعة
وصل لمقر شركته بداية من البوابة الحديدية وصولا لباب مكتبه الجميع في حالة تأهب شديدة، التحية التي يلقيها هذا وذاك يلقيها بحساب، وصل في لمح البصر غرفة مكتبه، جلس وطلب من مساعدته الخاصة أكثر من طلب و لكن أهم طلب قهوته السادة، ما إن خرجت المساعدة القى نظرة سريعة على شاشة المراقبة، ثم عاد ببصره لشاشة حاسوبه النقال، طرقات خفيفة ثم ولجت بعدها المساعدة تخبره بقدوم طليقته، كان يوقع على بعض الأوراق الهامة رفع بصره ثم قال
_ دخليها.
ثوانٍ وواجت هي وقف يستقبلها بشبح إبتسامة، لم ترى إبتسامته فهذا هو الطبيعي لديه، صافحها ثم أذن لها بالجلوس، سألها بعملية
_ مريم قالت لي إنك عاوزاني ضروري خير يا سالي ؟
ردت بإبتسامة خفيفة محاولة فتح أي حديث حانبي قبل طلبها لكنه وفر عليها المقدمات وازاح عنها الحرج وهو يقول
_ ادخلي في الموضوع عارفني مليش في المقدمات .
تنهدت بعمق ثم قالت
_ طبعا عارف الشحنة اللي كانت في المينا في اسكتدرية اتحجز عليها و حصلت كذا كده في الشغل عند بابا أنا بصراحة مش فاهمة فيها حاجة ف بابا خسر كل فلوسه تقريبا و أنا جايلك اطلب منك تشتري الشحنة بأي رقم
تقوله .
على الرغم من أنه لايحتاج لهذا الآن إلا أنه وافق وهو يقول
_ بس كده أعتبريني اشتريتهم خلاص .
_ بجد يا فطين ؟
_ اعتقد مش محتاج اقولك إني مليش الهزار وخصوصا في الشغل!
طرقات خفيفة ثم ولجت بعدها المساعدة تخبره بموعد الاجتماع وقفت سالي عن النقعد وصافحته وهي تقول بنبرة مليئة بالامتنان
_ شكرًا يا فطين حقيقي مش عارفة اقولك .
_ ولا أي حاجة بعد الاجتماع هخلي المستشار أحمد يتواصل مع الشركة عندك ويظبط كل حاجة متقلقيش .
لقاء سريع لكنه عرف مغزى هذا اللقاء، عليه أن تتعلم منه ولو شيئًا بسيط، مازالت تتمتع بالغباء عكسه تماما، حرك رأسه حرك يمينا ويسارا، ثم غادر غرفة المكتب ملتحقا بغرفة الاجتماعات .
جلس و بدأ اجتماعه الذي استمر قرابة الثلاث ساعات كاملة و أخيرًا انتهى بعدما شعر أن الجميع منهك ولن يستطيع أن يخرج أفضل ما لديهم، عاد لغرفة المكتب ليجد ابرهيم السيوفي في انتظاره، اعتذرت المساعدة وقالت برعب
_ و الله حاولت بكل الطرق امنعه لكنه دخل غصب عني و مرضاش يمشي خالص .
أشار لها بالمغادرة ثم اتجه حيث المقعد جلس عليه و قال بهدوء
_ خير يا ابراهيم بيه ؟ ممكن افهم إيه الدخلة دي ؟
رد إبراهيم وقال بنبرة مرنة
_ ليه كده يا فطين بيه ده حتى احنا بينا عيش وملح كده عاوز تقدم الشيكات للنيابة!!
رفع كفه بالتزامن مع مط شفتاه وهو يقول
_ مكندش قدامي حل غيره، حضرتك مسبتليش أي اختيار تاني غيره .
_ طب ممكن تسمعني وتسمع اقتراحي ولو معجبكش ارميه البحر وقدم الشيكات للنيابة .
_ اتفضل سمعك.
_ حتة الارض اللي بكلمك عليها دي ملك ضرغام ابني الأرض دي تكلفتها تعدي الخمسين مليون جنيه يعني تغطي الشيكات وزيادة.
سأله بفضول خفي
_ هو حضرتك عندك ابن اسمه ضرغام ؟
يتبع

